أكتب لكم الآن وأنا في حزنٍ عميقٍ أُخفيهِ بابتسامات باهتة، وأكتب لكم وصداعٌ رهيبٌ لازمني ثمانٍ وأربعين ساعة، وأكتب لكم ومقدمات الحمى تسري إلى جسدي كمقدمات الصبحِ الصادق !
هذا هو الإنسانُ الضعيف، الذي لا يملك من أمره شيء، ومع ذلك يخونُ الأمانةَ والعهد!
يعيشُ الإنسان في بهجةٍ وسرور، ويغرقُ في تفاصيل الفرح، ويسيرُ في الأرض جذلان، يغنّي ويرقص، ويضحك ويلعب، وفجأة!، يقذف الله في قلبه القلق، فتختفي كلّ معالم السعادة!
يكون في جلسةٍ بين أحبابه وخلّانه، يبادلهم أطايب الحديث، ومكالمةٌ واحدةٌ كفيلةٌ بتكدير خاطره!
يا الله، ما أضعفنا! ، وما أفقرنا!
يكون الإنسان في خلوته في بحبوحةٍ من الأمر، لاذنب يفعله ولاشيء، ثم يسير بقدميه، وبضعفه الذي يغفل عنه!، لينتهك حرمة الله!
ويكون في جلسةٍ بين أصحابه وأقرانه، لاشيء يدعوه للكذب، لاشيء!، ثمّ يسير بقدميه، وبضعفه الذي يغفل عنه!، إلى وحل الاختلاق وخصلةِ النفاق الكبرى!
ويهبه الله عقلًا رزينًا، وذكاءً مذهلًا، وحافظةً ضخمةً، وكلّ هذا محض عطاء الله!، ثم ينظر إلى أقرانه باحتقار! .. ويحك!، ما أضعفك!، وما أحقرك!
وييسر الله لهُ سبيلًا لطلبِ العلم، ومسلكًا للنهل من ينبوع السلف، ثمّ هو لا يعملُ بعلمه!، أيّ ضعفٍ هذا!
يتجبّر فرعون ويطغى، ويقول: انظروا لهذه الأنهار التي تجري من تحتي، فيُجريها اللهُ من فوقه!
ويهب اللهُ رجلًا أوربيًا ذهنًا لمّاحًا، وعقلًا رهيبًا، وقلمًا سيّالا، فيُلحد الرجل!، فيأخذ الله منه شيئًا واحدًا، يأخذ منه عقله!، فيسير في الأرض مجنونًا!
ياصديقي ..
لتجعل هذا الضعف طريقًا لتعظيم الله، وسبيلا للشعور بالعجز الذي تُظهرهُ بفعالك لله سبحانه، فيعطيك من كنوزه العظيمة ما يجعلك تشعر بضعفك أكثر!، وبفقرك أكثر!
إذا سوّلت لك نفسك النظر إلى ما حرّم الله، فتذكر أنك ضعيف، ولو شاء الله لذهب ببصرك!
إذا ما رزقكَ الله فهمًا ثاقبًا، فتذكر أنه لو شاء الله، لذهبت قدرتك هذه أدراج الرياح، فتصبح بليدًا لا تفهم الكلام الواضح!
ليدفعنا ضعفنا هذا إلى شكر الله على الدوام، إلى الاعتراف بفضله ونعمه، إلى استعمال مايهبه لنا في طاعته، وإلا غفلنا عن ضعفنا!، ولبئس الغفلةُ هي .
11/ 5 / 1433


آخر البصمات ..